أخر الأخبار

حتى لا تصبح معركة الساحل السوري قلمون ثانية


يعقوب الزرقاني رئيس مؤسسة الدراسات القومية الأحوازية التابعة للمنظمة السنية الأحوازية

يعقوب الزرقاني رئيس مؤسسة الدراسات القومية الأحوازية التابعة للمنظمة السنية الأحوازية

تدور منذ أكثر من إسبوعين معارك طاحنة بين “الجيش السوري الحر” وقوات “النظام السوري” للسيطرة على شمال منطقة الساحل السوري, بعدما أعلن “الحر” بدء “معركة الأنفال” لتحرير الساحل, وذلك على ثلاث محاور: محور جبل السمراء، ومحور تلة “المرصد 45″ ومحور معبر “كسب” الحدودي مع تركيا.

وبفتح هذه الجبهة على هذا النحو المفاجيء والقوي, يمكن للمراقب للوضع السوري أن يستنتج عدة نقاط, أهمها تلاشي خطوط دولية وإقليمية حمراء كانت تمنع “الجيش الحر” من الدخول إلى تلك المنطقة الستراتيجية التي تعد المعقل الحقيقي الأول والملاذ الحقيقي الأخير لنظام الأسد.

ولعل من بين تلك الأسباب التي ساهمت بشكل جذري في زوال تلك الخطوط الحمراء أو بشكل أقل غض الطرف عنها, هي محاولة النظام توسيع رقعة المناطق التي يسيطر عليها, ما بدأ وكأنه سعي منه لتحسين موقعه التفاوضي أمام الإئتلاف الوطني خلال مفاوضات جنيف الثانية, إلا أن النظام لم يقف عند تلك المحاولات وحسب, بل تعدّاها إلى مرحلة جديدة من التصعيد العسكري على الأرض, تمثلت في عمليات عسكرية كبرى إستهدفت معاقل الثورة الرئيسية في حمص لتصل أخيرًا إلى سلسلة جبال ومدن القلمون, تمهيدًا منه لتأمين ما يمكن وصفه بالملاذ الأخير للنظام, المتمثل في إقامة “دولة الساحل العلوية”, ما يعني عمليًا تقسيم سورية إلى دويلات عدة, ذلك في حال فشلت قوات الأسد في قمع الثورة السورية, ما كشف للأطراف الدولية والإقليمية حقيقة هذه المخاطر, وحقيقة أن النظامين السوري والإيراني وأذرعتهما لا ينوون مطلقًا الوصول إلى أي حل سلمي وسياسي مع الإئتلاف الوطني, وأن (جنيف 2) لم تكن سوى غطاء سياسي وإعلامي دولي إستغله النظام للتغطية على هذه الحقيقة.

بهذا يمكن فهم أن “الجيش الحر” بفتحه هذه الجبهة, قد إختار الزمان والمكان المناسبين, فهو من جهة قطع الطريق على نظام الأسد لتأمين مشروع “الدولة العلوية”, بعد أن تمكّن الثوار من الإنتشار في جزء من جغرافيا الدولة المفترضة, ومن جهة أخرى إستطاع أن يقود عملية الصراع إلى مرحلة جديدة شديدة التعقيد على النظامين السوري والإيراني بسبب ما تتميّز به منطقة الساحل السوري من أرض جبلية وعرة وغطاء شاسع من الغابات المتداخلة, تجعل المعارك التي ستدور على أرضها تأخذ طابع حرب عصابات بعيدة عن المدن والمدنيين, ما يفنّد دعاية أحلاف النظام بأن الثورة إستحالت إلى حرب أهلية.

 

على هذا سيخطيء “الجيش الحر” إذا قاد هذه المعارك بذات العقلية التي قاد بها معارك القصير والنبك ويبرود والقلمون, ولكي يتجنب ذلك عليه أن يضع خطة حرب تستهدف بمجملها إستنزاف قوات النظام, بأن تكون مبنية على مستويين, هما: التموضع في الغابات والجبال وضرب خطوط إمداد النظام. كذلك يجب أن ترتكز الخطة على أساسين, الأول أن الحرب مع النظام ليست متكافئة على الصعد كافة, والأخير يجب أن لا تكون خطة الحرب مبنية على إنتظار مساعدات عسكرية خارجية تحسم المعركة.

إن إتباع هذه الستراتيجية الحربية تحتّم على “الجيش الحر” أن لا ينتشر على مساحة شائعة من المناطق بهدف توسيع سيطرته على الأرض, لكي لا يضعف من قدرته على المناورة أو على التصدي لأي هجوم بري لقوات النظام, كذلك عليه أن لا يسعى إلى السيطرة على المدن والتمركز فيها, لسببين, أولهما أنه سيعرض نفسه إلى خسائر جسيمة جراء حصار وقصف النظام, وثانيهما أنه سيؤلب عليه أهالي تلك المدن مما سيفقده حاضنة شعبية هو بأمس الحاجة إليها, كذلك عليه أن لا يأخذ كل إنسحاب تقوم به قوات النظام من مواقعها على أنه تراجع قسري منها، بل قد يكون ذلك كمين محكم منها تستهدف من خلاله الإيقاع بـ”الجيش الحر” للقضاء عليه, كذلك عليه في هذه المعركة أن يتّبع ستراتيجية حرب إستنزاف طويلة الأمد, إن كان في إختيار مراكز النظام التي سيستهدفها, أو في توقيت عملياته, والغابات والجبال سوف تعطيه هذه الميزة وهذا المجال لأن يخطط وينطلق منها في عمليات مختارة ثم يعود إليها بأمان.

إضافة إلى هذه المميزات, فإن معركة الساحل السوري تتيح للثوار قطع خطوط إمداد جيش النظام إلى إدلب, ما سيدعّم من قدراتهم هناك, كما أن منطقة الساحل ليست قريبة حدوديًا إلى لبنان كالقلمون, مما يعني أن “حزب الله” في حال زج بقواته في هذه المعركة سيكون في إختبار حقيقي للحرب يختلف عن ذاك التي واجهه في القصير ويبرود والقلمون عمومًا.

أن معركة الساحل السوري ليست معركة ثانوية في عمر الثورة السورية, بل هي معركة مصيرية سوف ترسم حدود وقوى “الشرق الأوسط الجديد”, وأن إستمرارها, سيخرج النظامين السوري والإيراني عن طورهما ويدفعهما إلى عمليات إرهابية, إن كان في سورية أو من خلال أذرعتهما في لبنان والبحرين والعراق واليمن, والأيام ستؤكد هذه الحقيقة.

* يعقوب زرقاني

* رئيس مؤسسة الدراسات القومية الأحوازية

 

التغريدات

  • It seems like you forget type any of your Twitter OAuth Data.